ما ستجد في هذه الصفحة:

• شهادة أنس بن مالك بعد عشر سنوات من الخدمة
• كرم النبي ﷺ كما وصفه جابر بن عبد الله
• مزاحه ﷺ مع الصحابة، بالأحاديث الصحيحة
• معاملته لخديجة وعائشة رضي الله عنهما
• رفقه بالخدم والأيتام وغير المسلمين
• وصيّته ﷺ في آخر حياته عن الحقوق والأخلاق

من الأجدر بدراسة شخصية ما: من كتب عنه من بعيد، أم من رافقه في سفره وأكل معه من صحنه ورأى كيف يتعامل حين يغضب؟ ورثنا عن الصحابة رضي الله عنهم ذخيرة غير عادية: تفاصيل دقيقة عن حياة النبي ﷺ اليومية، عن ضحكته وغيظه وحزنه وكرمه وصبره. هذه ليست سيرة رسمية مكتوبة بعد قرن من الوفاة، بل هي ذاكرة حيّة لناس عاشوا مع هذا الرجل وأرادوا أن تبقى صورته حقيقية.

عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن"

حين سأل سعد بن هشام أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلُق النبي ﷺ، أجابت إجابة ضغطت فيها عشرين سنة من المعايشة في كلمات قليلة:

"أَوَ لستَ تقرأ القرآن؟ كان خُلُقه القرآن." (صحيح مسلم 746)

ثم ذكرت آيات من سورة المؤمنون تصف المؤمنين الحق: الخاشعون في الصلاة، المعرضون عن اللغو، المؤدّون للزكاة، الحافظون لفروجهم... فكأنها تقول: انظر إلى ما يأمر به القرآن؛ هذا ما كان عليه.

وفي رواية أطول جمعتها كتب الشمائل، وصفت عائشة رضي الله عنها أنه لم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً، ولم يكن يبادر أحداً بالسبّ، ولا يُجازي السيئة بالسيئة، بل يعفو ويصفح. وكان أشد الناس تأثراً بمصيبة غيره، وأخفّهم وطأةً على نفسه حين يُظلم.

ما يجعل هذه الشهادة ذات وزن استثنائي هو أن عائشة رضي الله عنها رأته في لحظاته الأصعب: في فقد أحبائه، في رد الإساءة، في ضيق الأحوال. ومع ذلك انتهى حكمها إلى الكلمة ذاتها: القرآن. ليس كمثال يحتذى، بل كتجسيد حيّ.

أنس بن مالك: عشر سنوات بلا كلمة أُف

عاش أنس بن مالك رضي الله عنه مع النبي ﷺ عشر سنوات خادماً له، منذ أن أحضرته أمه إليه وهو ابن عشر سنوات حتى وفاة النبي ﷺ. وكان لأنس قرابة عشر سنوات من المراقبة عن قرب، في المطبخ وفي السفر وفي لحظات الغضب والمرض والفرح.

"خدمت النبيَّ ﷺ عشرَ سنين، واللهِ ما قال لي أُفٍّ قطُّ، ولا قال لشيء فعلتُه لِمَ فعلتَه، ولا لشيء تركتُه لِمَ تركتَه." (صحيح البخاري 6038، صحيح مسلم 2309)

فكّر في هذا الرقم: عشر سنوات. عشر سنوات مع خادم يخطئ ويتأخر ويكسر ويُهمل أحياناً. وفي كل تلك السنوات لم تصدر من النبي ﷺ كلمة أُف، وهي أخفّ كلمات الضجر التي نهى عنها القرآن حتى مع الوالدين.

وفي رواية أنس نفسه قال: "وإن كانت إحدى نساء النبي ﷺ لَتستقرضه [أي تطلب منه شيئاً دون استئذانه]، فما كان يردّها ولا ينهرها." فضلاً عن أن النبي ﷺ كان يتفقّد أنساً بنفسه ويسأل عن أهله.

وذكر أنس أن النبي ﷺ كان إذا سلّم عليه صغير القوم انحنى له، وإذا مشى معه مشى حيث أراده المُسلَّم عليه، ولم يفتأ عنه حتى يُسلّم صاحبه على النبي ﷺ مسترضياً. هذا توثيق لسلوك يومي، لا لفضيلة نظرية.

الكرم: شهادة جابر بن عبد الله

جابر بن عبد الله رضي الله عنه من أكثر الصحابة روايةً عن كرم النبي ﷺ. يروي واقعة بعيدة عن البطولة الرسمية:

"ما سُئل النبيُّ ﷺ شيئاً قطُّ فقال: لا." (صحيح البخاري 6034، صحيح مسلم 2311)

ولم يكن هذا مجرد مبدأ. يروي جابر أن رجلاً جاء يطلب شيئاً والنبي ﷺ لا يملك في بيته ما يعطيه، فأحاله إلى رجل عنده مال وكفل ذلك الرجلَ بنفسه. وحين قال قائل إن النبي ﷺ أحاله على غيره، فهو تبرّأ، ردّ النبي ﷺ بأن الكفالة هي عطاء أيضاً.

وفي أكثر ما يُستشهد به من كرمه ﷺ، حادثة ذبح العضباء: أهدى رجل للنبي ﷺ ناقةً فأمر بذبحها وتوزيع لحمها. فلما انتهوا قيل إنه بقي من الكبد شيء. فأمر بإرساله لامرأة فقيرة. وقيل: كان ﷺ يُعطي العطاءَ الكثير كمن لا يخشى الفقر (صحيح مسلم 2312).

وليس الكرم هنا بالمال وحده. فقد وثّق الصحابة أنه كان يُعطي وقته وانتباهه الكامل لمن يحدّثه. لا يلتفت، ولا يقاطع، ولا يُعلم صاحبه باستعجال. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: "كان النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها." (البخاري 6102) وكانت هذه الحياء تجعله لا يستطيع أن يردّ سائلاً أو يقطع حديثاً.

المزاح: نبي يضحك مع أصحابه

يُخطئ من يتخيّل النبي ﷺ شخصيةً صارمة لا تعرف الضحك. وقد أفرد أئمة الحديث أبواباً كاملة لمزاحه ﷺ.

يروي الترمذي (رقم 1990) أن رجلاً أعرابياً جاء يطلب من النبي ﷺ ناقةً يحملها. فقال له النبي ﷺ بأسلوب مازح: "نُحمّلك على ولدِ الناقة." فظنّ الرجل أنه ولد صغير لا يطيق، فقال مستغرباً. فأجاب النبي ﷺ: "وهل الإبل إلا أولاد النواق؟" أي أن كل ناقة هي ابن أو بنت ناقة. (سنن أبي داود 4998، الترمذي 1990)

وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن الصحابة قالوا: يا رسول الله إنك تُمازحنا. فقال:

"إني لا أقول إلا حقاً." (سنن الترمذي 1990، صحيح إسناده بعض أهل العلم)

وكان ﷺ يمزح دون كذب، يُدخل السرور دون إيذاء. وهذا الشرط هو الذي يميّز مزاحه ﷺ: أنه لم يُشعر أحداً بالإهانة، ولم يَسخر من عيب أو هيئة أحد. وروى أنس رضي الله عنه أنه ﷺ كان يُمازح صغار الأطفال ويلاعبهم، وكان يضع زينب بنت أم سلمة على ركبته ويقول: "يا زُوَيْنِب، يا زُوَيْنِب." (أبو داود 5223)

وفي حادثة مشهورة، جاءته عجوز فطلبت منه أن يدعو الله أن يدخلها الجنة. فقال ﷺ مازحاً: "إن الجنة لا يدخلها عجوز." فبكت المرأة. فأردف ﷺ مسرعاً: "إنك لن تكوني عجوزاً حين تدخلينها، لأن الله يقول: إنا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهن أبكاراً." (رواه الترمذي وحسّنه)

مع أهل البيت: خديجة وعائشة رضي الله عنهما

أشدّ الاختبارات في الشخصية هي البيت. والرجل كما هو مع أهله هو كما هو حقاً.

في باب خديجة رضي الله عنها، لم يكن الإخلاص مجرد وفاء لامرأة توفّيت، بل عاطفةً ظلّت حاضرة طوال سنوات. روت عائشة رضي الله عنها أنه ﷺ كان يذكر خديجة كثيراً بعد وفاتها، ويُرسل من الطعام والهدايا إلى صديقاتها احتراماً لذكراها:

"ما غرتُ على امرأة قط ما غرتُ على خديجة، من كثرة ذِكر رسول الله ﷺ إياها." (صحيح البخاري 3818)

وحين ذكرها للمرة الألف في يوم واحد حتى تضجّرت عائشة وقالت: ما تذكر عجوزاً توفّيت وقد أبدلك الله خيراً منها؟ فغضب النبي ﷺ غضباً ظاهراً وقال: "والله ما أبدلني الله خيراً منها. آمنت حين كفر الناس، وصدّقتني حين كذّبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس." (صحيح مسلم 2437)

أما عائشة رضي الله عنها، فقد وصفت كيف كان يساعدها في خياطة ثوبها، ويحلب شاته، ويصنع لنفسه ما احتاج في بيته. وروت في صحيح مسلم أنه ﷺ كان يستأذنها بلطف حين يريد الخروج إلى المسجد في الليل. وروت أن الزوجين كانا يتسابقان أحياناً في الجري، وأن النبي ﷺ فاز في مرة وفازت هي في مرة أخرى، وضحكا من ذلك. (سنن أبي داود 2578)

الرفق بالضعفاء والأيتام

لو كان الإسلام ديناً للأقوياء فحسب، لما كانت قائمة أوائل المسلمين تضمّ بلالاً الحبشي وصهيباً الرومي وخبّاباً الحدّاد وعمّار بن ياسر. والرجل الذي اختار هؤلاء كصحابته الأوائل يُخبرنا الكثير.

قال النبي ﷺ:

"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا." وأشار بإصبعَيه السبّابة والوسطى وفرّق بينهما قليلاً. (صحيح البخاري 5304)

وكان ﷺ يقف في أسواق المدينة يستمع إلى حوائج الناس، وربّما انتظر مع امرأة عجوز حتى تنجز أمرها ثم أعانها على حملها. وروى ابن مسعود رضي الله عنه أنه ﷺ لما أُصيب في أُحد وكُسرت رباعيّته ونزف، لم يكن همّه جراحاته بل قال: "كيف يُفلح قوم شجّوا وجه نبيّهم؟" ثم دعا لهم.

وكان يمنع أصحابه من إيذاء الحيوان. فروى شدّاد بن أوس رضي الله عنه قوله ﷺ:

"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة." (صحيح مسلم 1955)

بل إن صحابياً رأى جُحراً فيه بيض طير فأخذه وأمسك بالطائر، فأمره النبي ﷺ أن يضع ما أخذه ويدعها تأوي إلى بيضها. (سنن أبي داود 2675)

مع غير المسلمين

الأخلاق التي لا تُختبر إلا مع من يختلف عنك ليست أخلاقاً راسخة. ورثنا أحاديث توثّق معاملة النبي ﷺ لغير المسلمين في المدينة.

عن جابر رضي الله عنه: "مرّت بنا جنازة فقام النبي ﷺ لها. فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي. فقال: أَوَلَيست نفساً؟" (صحيح البخاري 1312، صحيح مسلم 961)

الوقوف احتراماً لجنازة يهودي في المدينة، في زمن كانت العلاقة مع بعض القبائل اليهودية فيه متوترة، ليس موقفاً بروتوكولياً. هو موقف عقدي: أن الروح البشرية تستوجب الاحترام بصرف النظر عن دينها.

وكان للنبي ﷺ جار يهودي كان يُؤذيه فلا يُكافئه. وحين مرض الجار، ذهب ﷺ يعوده في بيته. وروى بعض أهل السير أن الجار أسلم بعد ذلك. وحافظ ﷺ على عهوده مع من كانوا على عهد معه، ونهى عن قتال من والى المسلمين ولو اختلف دينه.

وفي حجة الوداع قال ﷺ صريحاً:

"ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طِيب نفسٍ، فأنا حجيجه يوم القيامة." (سنن أبي داود 3052)

الوصية الأخيرة عن الحقوق والأخلاق

في آخر خطبة جامعة له ﷺ، في حجة الوداع بعرفة، أمام مئة وعشرة آلاف مسلم، لم يُوصِ بالفتوحات ولا بتوسيع الدولة. وصّى بالرفق والحقوق:

"أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد. كلكم لآدم، وآدم من تراب. لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى." (مسند أحمد 22978، وهو جزء من خطبة الوداع)

وأوصى بالنساء في أربعة مواضع من خطبة الوداع. وسأل الحاضرين: "هل بلّغت؟" فأجابوا: نعم. فقال: "اللهم اشهد." ثلاث مرات.

ثم نزلت الآية الأخيرة من سورة المائدة:

"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا." (المائدة 3)

فبكى عمر رضي الله عنه حين سمعها، فسُئل. قال: لأن الكمال يعني الانتهاء، ولا يبلغ شيء كماله إلا بدأ في النقص. كان يعلم أن ما بعد هذه اللحظة لن يكون مثلها.

وعلّم النبي ﷺ أصحابه حين سألوه عن أفضل ما يُقرّب إلى الله: "خُلُق حسن" (سنن الترمذي 2004، صحيح بإسناد حسن). ليس عبادةً نافلة، ليس علماً نظرياً، بل الخُلُق الحسن. وكأنه يقول: ما ورثتموه عني ليس طقوساً فحسب، بل طريقة في التعامل مع البشر.

رفيق يومي في الصلاة

FivePrayer: الأذان الهادئ والقبلة الدقيقة.

تطبيق FivePrayer يُذكّرك بمواقيت الصلاة الخمس بصوت مؤذّن تختاره، مع قفل الهاتف عند الأذان وبوصلة قبلة. مجاناً، بلا إعلانات.

حمّل منApp Store
متوفر علىGoogle Play
أيضاً علىChrome