الأوقات الأربعة الكبرى:

الثلث الأخير من الليل: النزول الإلهي والنداء (البخاري 1145)
يوم عرفة: أفضل دعاء في الزمن كله (مسلم 1348)
في السجود: أقرب ما يكون العبد من ربه (مسلم 482)
ساعة الجمعة: ساعة لا يُوافقها عبد إلا أُعطي (البخاري 935)

الدعاء عبادة لها آدابها وأوقاتها. ولو أن إنساناً راجع يومه بعيون طالب الإجابة، لوجد أن كثيراً من هذه الأوقات المباركة يمرّ عليه دون أن ينتبه: السجود الذي يركعه كل يوم سبع عشرة مرة، والأذان الذي يسمعه خمس مرات، وليلة الجمعة التي تأتي أسبوعياً. المشكلة ليست في شُح الأوقات، بل في الغفلة عنها.

1. الثلث الأخير من الليل

هذا هو أعظم أوقات الدعاء وأكثرها توثيقاً. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

"يَنزِلُ ربُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدُّنيا حين يبقَى ثلثُ الليلِ الآخِر، فيقولُ: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألُني فأُعطيَه؟ من يستغفرُني فأغفرَ له؟" (صحيح البخاري 1145، صحيح مسلم 758)

الثلث الأخير من الليل يبدأ حسابياً من ضرب مجموع ساعات الليل في ثلثيه ثم إضافة ذلك إلى وقت المغرب. وتطبيق FivePrayer يحسبه لموقعك يومياً. في المدن التي يكون ليلها اثنتي عشرة ساعة، يبدأ الثلث الأخير قرابة الثالثة صباحاً.

المعنى العملي: من استيقظ قبل الفجر بساعة ودعا في هذا الوقت يكون في الفضاء الذي أعلن الله فيه صريحاً أنه يستجيب. وإن لم يكن قادراً على الاستيقاظ يومياً، ففي رمضان عادةً يتهيّأ الناس للسحور قرب هذا الوقت فيكون ذلك فرصة.

2. في السجود

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

"أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجد، فأكثِروا الدعاءَ." (صحيح مسلم 482)

وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما:

"أُمِرتُ أن أسجُدَ على سبعةِ أعظُم... وأُمِرتُ ألا أكُفَّ ثوباً ولا شعراً." ثم جاء في رواية أخرى: "أما الركوعُ فعظِّموا فيه الربَّ، وأما السجودُ فاجتهِدوا في الدعاءِ فَقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم." (صحيح مسلم 479)

هذا الوقت متاح كل يوم سبع عشرة مرة في الصلوات الخمس الفريضة. وزيد عليه في النوافل. فمن أدرك أنه حين يضع جبهته على الأرض يكون في أقرب لحظة ممكنة من الله، استطاع أن يحوّل كل ركعة إلى فرصة.

وللسجود آداب في الدعاء: أن يبدأ بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم يدعو بلغته وبقلبه، ولا يشترط أن يكون الدعاء عربياً في صلاة النافلة عند جمهور الفقهاء.

3. بين الأذان والإقامة

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

"الدعاءُ لا يُرَدُّ بين الأذانِ والإقامة." (سنن أبي داود 521، الترمذي 212، صحّحه الألباني وغيره)

وهذه لحظة تأتي خمس مرات يومياً دون استثناء. المشكلة أن كثيراً من الناس يسمعون الأذان فيقومون مباشرة لإعداد الوضوء ثم يذهبون للصلاة، دون أن يتوقفوا دقائق للدعاء في هذا الفاصل.

والمستحسن: أن تُجيب الأذان أولاً (بترديد كلماته)، ثم تصلي على النبي ﷺ، ثم تدعو بما تريد حتى تُقام الصلاة. هذا وقت قصير لكنه مضمون الفضل بالنص الصريح.

4. ساعة الجمعة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر يوم الجمعة وقال:

"فيه ساعةٌ لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ وهو قائمٌ يُصلِّي يسألُ اللهَ شيئاً إلا أعطاهُ إيّاه." وأشار بيده يُقلِّلها. (صحيح البخاري 935، صحيح مسلم 852)

اختلف العلماء في تحديد هذه الساعة على أكثر من أربعين قولاً، والراجح عند كثيرين قولان:

  • أثناء جلوس الإمام بين الخطبتين حتى انقضاء الصلاة، لحديث أبي موسى رضي الله عنه (صحيح مسلم 853).
  • آخر ساعة بعد العصر يوم الجمعة حتى المغرب، لحديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه (مسلم 853)، وهو قول ابن القيم وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية.

العمل بكلا الوقتين مُيسَّر: تدعو في الصلاة وبعد العصر. ولا حرج في الأخذ بأشمل القولين.

5. يوم عرفة

يوم عرفة هو التاسع من ذي الحجة. وفيه يجمع الحجاج في جبل عرفة لأداء أعظم ركن في الحج. وأما غير الحج، فيوم عرفة أفضل أيام السنة للدعاء. قال النبي ﷺ:

"خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عَرَفة، وخيرُ ما قُلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير." (سنن الترمذي 3585، حسّنه وصحّحه جمع من أهل العلم)

وفي تفسير قوله "خير الدعاء": أي أكثر دعاء يُرجى قبوله هو دعاء هذا اليوم. ويُستحب الإكثار فيه من الذكر والدعاء، سواء كنت في عرفة حاجاً أم في بيتك صائماً. وصوم يوم عرفة يكفّر سنتين (مسلم 1162)، وهو مستحب لغير الحاج.

6. ليالي رمضان ولحظة الإفطار

في رمضان تتضاعف المغفرة وتُفتح أبواب الجنة، وهذا يشمل الدعاء. عن أبي هريرة رضي الله عنه:

"ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتُهم: الصائمُ حتى يُفطِر، والإمامُ العادل، ودعوةُ المظلوم." (سنن الترمذي 2526، ابن ماجه 1752، وحسّنه جمع)

ولحظة الإفطار بالتحديد من أثمن اللحظات. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا أفطر جمع أهله وأولاده ودعا (صحيح ابن حبان). والدعاء المأثور عند الإفطار: "ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله" (أبو داود 2357)، لكن الدعاء الشخصي بعده أيضاً مما يُستحب.

7. ليلة القدر

ليلة القدر خير من ألف شهر، أي أن دعاءك فيها يعادل في الفضل ثمانياً وثمانين سنة. وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ: ما تقول إن علمتُ أيّها ليلة القدر؟ فقال:

"قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي." (سنن الترمذي 3513، صحّحه)

وتُلتمس في العشر الأواخر من رمضان، وأوتارها أرجى (البخاري 2017). والدعاء فيها لا يقتصر على هذا الذكر، بل يُضاف إليه كل ما يريده العبد من حوائج الدنيا والآخرة.

8. أوقات أخرى موثّقة

عند نزول المطر: روى الإمام الشافعي في الأم أن الدعاء عند نزول المطر لا يُرد. وإن كان الحديث المرفوع فيه كلام، فقد عمل به جمع من السلف.

حين يُعلم المسافر: قال النبي ﷺ: "ثلاث دعوات مستجابات لا شكّ فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم." (سنن أبي داود 1536، الترمذي 1905)

في حال المرض: الداعي المريض في حال ضعف يكون أقرب إلى الانكسار وصدق الالتجاء، وهذا من أعظم أسباب الإجابة. وفي حديث أبي هريرة: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة." (الترمذي 3479)

بعد الصلاة على النبي ﷺ: قال عمر رضي الله عنه: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تُصلّي على نبيك ﷺ." (رواه الترمذي 486 وحسّنه)

عند رؤية الكعبة: روي أن الدعاء عند أول رؤية الكعبة مستجاب. وإن كان الحديث فيه كلام، فالعمل به سائغ تعبّداً وأدباً.

في السحر (قبيل الفجر): قال الله تعالى في وصف المؤمنين الراسخين: "وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" (الذاريات 18). والسحر هو الوقت الذي يلي الثلث الأخير، وهو وقت الاستغفار والدعاء القبل الفجر.

يوم الاثنين والخميس: روي أن أعمال العباد تُعرض فيهما، فالدعاء في هذين اليومين له مزية إضافية. (الترمذي 747)

شروط قبول الدعاء

لا تُغني الأوقات وحدها إن فقدت الشروط. جمع أهل العلم من القرآن والسنة شروطاً لقبول الدعاء:

1. الإخلاص والحضور القلبي: قال النبي ﷺ: "واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ." (الترمذي 3479)

2. الحلال في المأكل والملبس: جاء في حديث أبي هريرة قصة الرجل الذي يمدّ يديه ومطعمه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام فكيف يُستجاب له؟ (صحيح مسلم 1015)

3. عدم الاستعجال: قال النبي ﷺ: "يُستجابُ لأحدكم ما لم يَعجَل، يقول: قد دعوتُ فلم يُستجَب لي." (البخاري 6340، مسلم 2735)

4. اليقين بالإجابة: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. (الترمذي 3479)

5. البدء بالثناء والصلاة على النبي ﷺ: فضداً من الله مكان وتفتيح لباب القبول.

وأخيراً، ذكر أهل العلم أن الإجابة قد تكون بصور شتى لا بالصورة التي تتخيّلها: قد تُعطى ما طلبت، وقد يُدفع عنك بلاء كان قادماً، وقد تُدّخر لك في الآخرة حيث تتمنّى لو ادّخر كل دعائك ليوم تراه.

"ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ إلا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاث: إمّا أن يُعجِّلَ له دعوتَه، وإمّا أن يدّخرَها له في الآخرة، وإمّا أن يصرفَ عنه من السوءِ مثلَها." (مسند أحمد 11133، صحيح)
لا تفوّت أوقات الصلاة

FivePrayer: الأذان الدقيق لكل وقت مبارك.

تطبيق FivePrayer يحسب لك وقت الثلث الأخير ويُنبّهك بأذان هادئ. خمس صلوات، خمس فرص يومية للدعاء المستجاب. مجاناً، iOS وAndroid وChrome.

حمّل منApp Store
متوفر علىGoogle Play
أيضاً علىChrome