خلاصة أحكام صيام عاشوراء:
الأفضل: التاسع والعاشر من المحرم
يجوز: العاشر والحادي عشر
يكره: إفراد العاشر وحده بلا يوم قبله أو بعده
الفضل: تكفير سنة ماضية (مسلم 1162)
المحرم أول شهور السنة الهجرية وأفضلها للصيام بعد رمضان. وفيه يوم عاشوراء الذي للمسلم فيه إرث نبوي عريق، يرتبط بذكرى نجاة موسى عليه السلام وبناء إسرائيل من فرعون.
فضل شهر المحرم
شهر المحرم شهرٌ عظيم، أضافه النبي ﷺ إلى اسم الله تعالى تشريفاً وتكريماً فقال «شهر الله المحرم». وبيّن ﷺ أنه أفضل الأشهر للصيام بعد رمضان في قوله:
«أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.» (صحيح مسلم 1163)
وفي إضافة «شهر الله» إلى الله سبحانه إشارة عظيمة إلى مكانة هذا الشهر ومنزلته؛ إذ ليس كل شيء يُنسب إلى الله، وإنما تُنسب إليه الأشياء التي يريد إظهار شرفها وعظمتها.
وقد كان النبي ﷺ يُكثر من الصيام في هذا الشهر. وحثّ الصحابة على الإكثار من الصيام فيه استغلالاً لهذه المنحة الربانية. فالمحرم فرصة ذهبية يغفل عنها كثير من الناس، وهو في المرتبة الثانية بعد رمضان في فضل الصيام.
المحرم من الأشهر الحرم الأربعة
جعل الله الأشهر الحرم أربعة وبيّنها في كتابه العزيز. قال تعالى:
«إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ.» (التوبة: 36)
وبيّن النبي ﷺ هذه الأشهر الأربعة في خطبة حجة الوداع فقال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.» (صحيح البخاري 3197).
وحرمة الأشهر الحرم تعني أن المعاصي فيها أشد وزراً وأعظم إثماً. قال المفسرون في قوله تعالى «فلا تظلموا فيهن أنفسكم»: أي لا تُوقعوا أنفسكم في الذنوب في هذه الأشهر لأن وزر الذنب فيها أعظم. فكما أن الطاعة في الأوقات الفاضلة تُضاعف أجرها، كذلك المعصية فيها تُضاعف وزرها.
سبب تسمية عاشوراء
عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم. ومادة الاسم مأخوذة من «العشرة» وهي عدد يوم الشهر. وقيل إن «عاشوراء» على وزن «فاعولاء» كـ«عاشوراء» و«تاسوعاء» وهي أسماء مؤنثة ممدودة على هذا الوزن في كلام العرب.
وكان يوم عاشوراء معروفاً ومُعظَّماً عند العرب قبل الإسلام. كانت قريش تصومه في الجاهلية. قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه. فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه.» (صحيح البخاري 2002).
وأما «تاسوعاء» فهو اليوم التاسع من المحرم، وكان النبي ﷺ يعتزم صومه مخالفةً لليهود كما سيأتي بيانه.
عاشوراء تاريخياً: نجاة موسى وقومه
لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء. فسألهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه. فصامه موسى شكراً فنحن نصومه. فقال النبي ﷺ:
«فنحن أحق وأولى بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه. (صحيح البخاري 2004)
وفي رواية أخرى: «هذا يوم صالح هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. قال فقال رسول الله ﷺ: أنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه.» (صحيح مسلم 1130).
وهذا الحدث العظيم، نجاة موسى عليه السلام وبني إسرائيل من فرعون وجنده الذين أُغرقوا في البحر، هو السبب الأصيل المأثور في مشروعية صيام عاشوراء. وموسى عليه السلام نبي عظيم من أولي العزم، وتعظيم يوم انتصار الحق على الباطل ونجاة أنبياء الله عبادة مشروعة ومأجور عليها.
وقول النبي ﷺ «نحن أحق بموسى منكم» يدل على أن المسلمين أولى بمحبة موسى عليه السلام وتعظيم ذكراه من اليهود الذين تركوا دينه وحرّفوا كتابه.
حكم صيام عاشوراء
كان صيام عاشوراء في بدء الإسلام واجباً على المسلمين. فلما فُرض صيام رمضان رُفع الوجوب وبقي الصيام مستحباً مرغوباً فيه. قالت عائشة رضي الله عنها: «فلما فُرض رمضان كان رمضان الفريضة وتُرك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.» (صحيح البخاري 2001).
فالصيام اليوم سنة مستحبة مؤكدة. وقد كان النبي ﷺ لا يترك صيام يوم عاشوراء كما لا يترك أياماً أخرى ذات فضل مؤكد. وصيام عاشوراء حق للمسلم على ربه أن يكفّر عنه ذنوب سنة، والله كريم جواد لا يُخلف وعده.
عاشوراء مكفّر لسنة ماضية
بيّن النبي ﷺ فضل صيام عاشوراء فجعله مكفّراً للذنوب الصغيرة في السنة الماضية. قال ﷺ:
«صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله.» (صحيح مسلم 1162)
وهذا التكفير يشمل الذنوب الصغيرة. أما الكبائر فلا تُكفَّر إلا بالتوبة الخاصة أو بما شاء الله من عفوه. وقد جمع النبي ﷺ في هذه الأحاديث بين صيام يوم عرفة وصيام عاشوراء في الفضل، وبيّن أن عرفة يكفّر سنتين وعاشوراء يكفّر سنة واحدة.
وهذا الفضل العظيم ينبغي أن يدفع المسلم إلى المسارعة في صيام هذه الأيام. فما أيسر يوماً يصومه المرء فيُكفَّر عنه ما بدر منه من ذنوب وهفوات طوال سنة كاملة. فسبحان من رحم عباده وفتح لهم أبواب المغفرة في كل الأوقات.
مخالفة اليهود: صيام التاسع مع العاشر
لما كان صيام عاشوراء مشتركاً بين اليهود والمسلمين أراد النبي ﷺ أن يُميّز صيام المسلم بالمخالفة، فعزم على إضافة يوم التاسع إلى العاشر. قال ﷺ:
«لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع.» (صحيح مسلم 1134)
قال الإمام ابن عباس رضي الله عنهما وهو راوي الحديث: فلم يأتِ العام القابل حتى تُوفي رسول الله ﷺ. ولهذا قال أهل العلم: يُصام التاسع مع العاشر تحقيقاً لما عزم عليه النبي ﷺ. والمخالفة المقصودة هنا ليست مجرد تمايز شكلي، بل هي أصل من أصول الشريعة الإسلامية في عدم التشبه بغير المسلمين في عباداتهم الخاصة.
ومن لم يتمكن من صيام التاسع جاز له صيام العاشر مع الحادي عشر. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: للصائم ثلاث مراتب: الأولى والأفضل أن يصوم التاسع والعاشر. والثانية أن يصوم العاشر والحادي عشر. والثالثة أن يُفرد العاشر وحده.
مسألة إفراد العاشر
اختلف أهل العلم في حكم إفراد يوم عاشوراء بالصوم دون ضم يوم قبله أو بعده. والذي تدل عليه النصوص أن إفراده وحده مكروه من حيث إنه يُخالف توجيه النبي ﷺ بضم يوم معه. فالأمر بصيام التاسع مع العاشر صريح في حديث صحيح مسلم (1134).
وقد نقل الإمام ابن حجر رحمه الله في فتح الباري ما يدل على أن السلف استحبوا صيام يوم آخر معه. فمن صام العاشر وحده فقد حصّل أصل الفضل، لكنه فاته كمال الفضل بمخالفة اليهود التي أرادها النبي ﷺ بصريح قوله «لئن بقيت لأصومن التاسع».
أعمال مستحبة في شهر المحرم
يُستحب في شهر المحرم جملة من الأعمال الصالحة:
الإكثار من الصيام
قال النبي ﷺ إن المحرم أفضل شهر للصيام بعد رمضان، فيُستحب الإكثار من الصيام فيه عموماً، لا الاقتصار على يوم عاشوراء فحسب. فمن صام يوماً في المحرم ومن صام أسبوعاً ومن صام أكثر فكله فاضل مأجور.
الإكثار من الاستغفار
الأشهر الحرم بصفة عامة مواسم تُشدّد فيها على الاستغفار والتوبة، لأن الذنوب فيها أثقل وقبول التوبة فيها أرجى لمن أقبل على الله.
الصدقة والإنفاق
الإنفاق في مواسم الفضل له وقع خاص. فيُستحب في المحرم الإكثار من الصدقة على الفقراء والمحتاجين، لا سيما مع احتياج الناس في بدايات السنة الهجرية.
التوسعة على العائلة
ورد في بعض الآثار عن التوسعة على أهل البيت في يوم عاشوراء، غير أن أهل الحديث تكلموا في إسناده. قال ابن القيم رحمه الله: لا يصح في فضل التوسعة على العيال في يوم عاشوراء شيء عن النبي ﷺ. فلا يُجعل ذلك شعيرة ثابتة.
ما لا أصل له من البدع
لا بد من التنبيه إلى بعض ما انتشر في مناسبة عاشوراء مما لا أصل له في الكتاب والسنة:
- اتخاذ اليوم يوم حزن وعزاء: لم يُشرّع النبي ﷺ ولا صحابته الكرام اتخاذ يوم عاشوراء يوماً للبكاء والعزاء وإن كانت مصيبة كربلاء مصيبة عظيمة. وبكاء الرجال في الطرقات وضرب أنفسهم بالسلاسل لا أصل له في الدين.
- اتخاذه يوماً للفرح والتزيّن: روي في بعض الكتب أن من توضأ في عاشوراء لم يمرض تلك السنة أو أن من اكتحل فيه لم يرمد عينه. وهذه أحاديث موضوعة باطلة.
- إحياء ليلة عاشوراء بالقيام الخاص: لم يثبت تخصيص ليلة عاشوراء بقيام ليل زائد على المعتاد.
- تعظيم الحبوب والأطعمة الخاصة: لا أصل لاعتقاد بركة طعام معين في هذه الليلة أو اليوم.
الموقف الصحيح من أحداث كربلاء
أحداث كربلاء وقعت في العاشر من المحرم من السنة الحادية والستين من الهجرة. وفيها قُتل الحسين بن علي رضي الله عنهما حفيد النبي ﷺ وابن علي وفاطمة. وهو مصيبة عظيمة حق لكل مسلم أن يحزن لها ويترحم على الحسين ومن قُتل معه.
غير أن عاشوراء كشعيرة إسلامية سابق لهذه الأحداث بعشرات السنين. فالنبي ﷺ صامه وأمر بصيامه في السنة الأولى من الهجرة، قبل أن يُولد الحسين رضي الله عنه بسنوات. فلا علاقة شرعية بين صيام عاشوراء وأحداث كربلاء.
والموقف الصحيح من أهل السنة والجماعة: الحزن والترحم على الحسين رضي الله عنه وعلى كل من قُتل ظلماً، واللعن والبراءة من قاتليه، مع عدم اتخاذ اليوم شعيرة خاصة للحزن والعزاء أو للفرح والشماتة. فكلاهما بدعة محدثة لا دليل عليها.
لا تفوّت وقت الصلاة. تطبيق FivePrayer يُذكّرك بأوقات الصلاة الخمسة حسب موقعك ويُنبّهك لأيام الصيام المستحبة. مجاني تماماً بلا إعلانات.
أسئلة شائعة
ما فضل شهر المحرم؟
المحرم هو أفضل الأشهر للصيام بعد رمضان. قال النبي ﷺ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» (مسلم 1163). وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة وفيه يوم عاشوراء الفاضل.
لماذا صام النبي يوم عاشوراء؟
لما وجد النبي ﷺ اليهود يصومونه في المدينة سألهم فأخبروه أنه يوم نجاة موسى من فرعون. فقال: «نحن أحق بموسى منهم» وصامه وأمر بصيامه. (البخاري 2004).
ما فضل صيام يوم عاشوراء؟
صيام عاشوراء يكفّر ذنوب السنة الماضية. قال ﷺ: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله» (مسلم 1162). وهذا التكفير يشمل الذنوب الصغيرة.
هل يجوز إفراد يوم عاشوراء بالصوم؟
الأفضل صيام التاسع مع العاشر مخالفةً لليهود. قال ﷺ: «لئن بقيت لأصومن التاسع» (مسلم 1134). ومن لم يتمكن فيصوم العاشر مع الحادي عشر. وإفراد العاشر وحده مكروه عند كثير من أهل العلم.
ما الموقف الصحيح من أحداث كربلاء في عاشوراء؟
عاشوراء شعيرة ثابتة قبل كربلاء بعشرات السنين. ومصيبة كربلاء مصيبة عظيمة يُترحم فيها على الحسين رضي الله عنه. لكن اتخاذ اليوم للعزاء الجماعي أو للفرح كلاهما بدعة لا أصل لها في السنة النبوية.
FivePrayer: رفيقك في المحافظة على الصلوات الخمس.
أذان تلقائي على شاشة القفل، مواقيت دقيقة حسب موقعك، وتنبيهات رقيقة للأوقات الخمسة. مجاني تمامًا، بلا إعلانات، بلا حساب.