ثلاثة أمور يشملها إحصاء الأسماء الحسنى:

١. الحفظ: استظهارها عن ظهر قلب
٢. الفهم: معرفة معانيها وما تدل عليه
٣. العمل: التعبد لله بها دعاءً وذكرًا وسلوكًا

أسماء الله الحسنى ليست مجرد ألقاب نُرددها، بل هي نوافذ تُطلّ على عظمة الله وجماله وجلاله. كلما عرفت معنى اسم من أسمائه ازددت به معرفةً وبه حبًا وإليه تقربًا. ومن هنا كانت العناية بالأسماء الحسنى من أنفع العلوم وأزكاها للقلب.

الحديث الجامع: التسعة والتسعون

قال النبي ﷺ: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة. إنه وِتر يُحبّ الوِتر." (البخاري 2736، مسلم 2677)

وقد وردت في رواية الترمذي (3507) قائمة بهذه الأسماء التسعة والتسعين، وإن كان بعض العلماء كابن حجر والبيهقي يرون أن سرد هذه الأسماء مدرجٌ في الحديث من قِبَل بعض الرواة وليس من كلام النبي ﷺ نفسه. غير أن الأسماء الواردة فيها هي في معظمها ثابتة بالقرآن الكريم أو بأحاديث صحيحة أخرى.

وتنبّه: الحديث لا يعني أن أسماء الله محصورة في تسعة وتسعين. فقد استعاذ النبي ﷺ بأسماء الله التي لا يعلمها إلا هو فقال في دعائه: "أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك." (مسند أحمد 3712، صحيح). فثمة أسماء استأثر الله بعلمها. والمعنى: أن هذه التسعة والتسعين خُصّت بهذه المزية العظيمة، وهي دخول الجنة لمن أحصاها.

قال الله تعالى: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.» (الأعراف: 180). ففي هذه الآية أمرٌ بالدعاء بالأسماء الحسنى، وتحذيرٌ من الإلحاد فيها وهو تحريفها أو تعطيلها أو تأويلها على غير وجهها.

الأسماء الحسنى توقيفية: مبدأ أساسي

مذهب أهل السنة والجماعة أن أسماء الله توقيفية، أي أنه لا يجوز إطلاق اسم على الله إلا بنص صريح من القرآن الكريم أو السنة النبوية الصحيحة. فلا يجوز تسمية الله بـ"الشجاع" أو "الذكي" أو "الوسيع" مثلًا وإن كان المقصود الثناء، لأن الله لم يُسمِّ نفسه بذلك.

وهذا يختلف عن باب الأخبار، فيجوز وصف الله بما يليق به من صفات ثبتت بالدليل حتى لو لم يُصَّغ منها اسم. فالله موجود لكن ليس من أسمائه "الموجود"، والله قديم لكن ليس من أسمائه "القديم" كاسم علَم.

قال تعالى: «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.» (الإسراء: 110). فكل اسم من أسمائه هو حسنى، أي بالغ الحسن والكمال في دلالته.

الرحمن الرحيم: أكثر الأسماء ورودًا

اسمان عظيمان يُفتتح بهما كل سورة من القرآن إلا سورة التوبة، وتبدأ بهما البسملة التي لا يخلو منها عمل مسلم. وكلاهما مشتقٌّ من الرحمة.

الرحمن: ذو الرحمة الواسعة الشاملة التي تعمّ كل الخلق في هذه الدنيا: المؤمن والكافر، الإنسان والحيوان. وهو اسم خاص بالله لا يُطلق على غيره. قال تعالى: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.» (طه: 5). والرحمة الواسعة التي تُنزل المطر وترزق المخلوقات وتُنعّم الأجساد هي من مقتضى هذا الاسم العظيم.

الرحيم: ذو الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين. رحمة تختص بالدار الآخرة وبالمغفرة والثواب. قال تعالى: «وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.» (الأحزاب: 43). فالرحمن أعم والرحيم أخص وأثبت. قال ابن القيم رحمه الله: "الرحمن: المتصف بالرحمة الذاتية الأزلية. الرحيم: المنعم بها على عباده."

ومن ثمرات معرفة هذين الاسمين: أن تعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن باب التوبة مفتوح لكل مذنب. قال ﷺ: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد." (مسلم 2755)

الملك القدوس السلام: أسماء الجلال

الملك: المالك لكل شيء، المتصرف في كل شيء. ملكه مطلق غير مقيد ولا مؤقت. قال تعالى: «فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ.» (طه: 114). ومن ثمرات معرفته: أن العبد يتحرر من الخوف من غير الله إذا استيقن أن الملك كله لله.

القدوس: المنزّه عن كل نقص وعيب، المقدّس عن كل ما لا يليق بجلاله. يُسبّح الملائكة والكون كله بهذا الاسم. قال تعالى: «يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.» (الجمعة: 1). وكان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبّوح قدّوس رب الملائكة والروح." (مسلم 487)

السلام: ذو السلامة من كل عيب ونقص، والذي يُسلّم عباده المؤمنين في الجنة. قال تعالى: «سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ.» (يس: 58). وقال ﷺ: "إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين." (مسلم 402). فالسلام في التشهد هو ثناءٌ على الله باسمه "السلام".

المؤمن العزيز الجبار المتكبر

المؤمن: الذي يُصدّق رسله ويُصدّق عباده بإجابة دعائهم وتحقيق وعده. وهو الذي يُؤمّن عباده من عذابه إذا أطاعوه. قال تعالى: «الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ.» (الحشر: 23).

العزيز: الغالب الذي لا يُقهر، القوي الذي لا يُغلب. عزّته كاملة لا تُضام. قال تعالى: «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.» ومن ثمرة معرفة هذا الاسم: أن تعلم أنك إذا اعتززت بالله وتوليت الله فلن تذل أبدًا.

الجبار: الذي يجبر الكسير ويُصلح المكسور، وهو أيضًا القاهر الذي لا يُردّ أمره. وهو اسم يجمع بين الرحمة والقوة. قال تعالى: «الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ.» (الحشر: 23). وكان النبي ﷺ يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى." (أبو داود 871) متعبدًا بصفة العلو والجبروت.

المتكبر: المتعظم الذي له الكبرياء والعظمة. وهذا لله وحده لا يُشاركه فيه أحد، ومن تكبّر في الأرض ادّعى منازعة الله في صفة هي له وحده. قال ﷺ: "قال الله: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار." (مسلم 2620)

الخالق البارئ المصور

ثلاثة أسماء تتعلق بالخلق جمع الله بينها في آية واحدة: «هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.» (الحشر: 24)

الخالق: الذي أوجد الأشياء من العدم. لا خالق إلا الله. «هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ.» (فاطر: 3).

البارئ: الذي فصل بين المخلوقات وميّز بعضها من بعض وجعل لكل منها صورته وشكله الخاص. فلا يوجد إنسانان متطابقان تمامًا.

المصور: الذي يُشكّل صور المخلوقات في الأرحام وفي الكون. «يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ.» (آل عمران: 6). والتصوير خاصة إلهية، ولذلك حُرّم على الإنسان تصوير ذوات الأرواح ادعاءً للمضاهاة.

ومن ثمرة معرفة هذه الأسماء: استشعار عظمة الله في كل مخلوق تراه، وشكره على نعمة الخلق والتصوير.

التواب الغفور الغفار: أسماء المغفرة والرحمة

هذه الأسماء تُعطي المذنب أملًا لا ينضب في رحمة الله.

التواب: الذي يتوب على عبده كلما تاب إليه، يقبل توبته مهما تكررت وتعددت. قال تعالى: «إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.» (البقرة: 37). والتوبة مقبولة ما لم يُغرغر العبد. قال ﷺ: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل." (مسلم 2759)

الغفور: كثير المغفرة، واسع العفو. يغفر الذنوب الكثيرة ولا يتعاظمه شيء. قال تعالى: «وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ.» (الرعد: 6).

الغفار: المبالغ في المغفرة مرةً بعد مرة. يغفر لعبده ثم يغفر ثم يغفر. قال تعالى: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى.» (طه: 82). وقال ﷺ: "لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم." (ابن ماجه 4248، صحيح)

الرزاق الكريم الوهاب: أسماء العطاء

الرزاق: الذي يتكفّل بأرزاق جميع مخلوقاته. قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.» (الذاريات: 58). والرزق لا يقتصر على الطعام بل يشمل كل ما ينتفع به الإنسان من الجسد والعقل والعلم والصحة والهداية. ومن دعا الله يا رزاق لا يأس من توسيع رزقه.

الكريم: ذو الكرم الواسع الذي يُعطي ابتداءً بلا سؤال، ويُعطي الكثير على القليل. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.» (الانفطار: 6). وقال ﷺ: "إن الله كريم يُحب الكرم." فمن عرف كرم الله تشبّه به في الكرم مع خلقه.

الوهاب: كثير الهبات والعطايا بلا عِوَض. قال تعالى: «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.» (آل عمران: 8). فإذا أردت هبةً من الله فاسأله بهذا الاسم.

الحي القيوم: الاسم الأعظم

قال النبي ﷺ: "اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه." (أبو داود 1496، صحيح). وقد بحث العلماء في الاسم الأعظم فرجّح كثيرٌ منهم أنه "الحي القيوم" لوروده في الآيات الجامعة من هذه السور الثلاث.

الحي: الذي له الحياة الكاملة الأزلية الأبدية، لا يموت ولا يفنى. «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ.» (الفرقان: 58). حياته ليست كحياة المخلوقات التي تبدأ وتنتهي، بل هي حياة مطلقة كاملة.

القيوم: القائم بنفسه الذي يقوم به كل شيء. هو الذي يُمسك السموات والأرض أن تزولا. «اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ.» (البقرة: 255). فمن اعتمد على الحي القيوم لم يخذله اتكاؤه.

وكان النبي ﷺ إذا نزل به أمرٌ فزع قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث." (الترمذي 3524، حسن). فهذان الاسمان من أعظم ما يُتوسل به في الكرب والشدة.

كيف تدعو الله بأسمائه الحسنى

قال الله تعالى: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا.» (الأعراف: 180). والدعاء بالأسماء الحسنى يكون على ثلاثة أوجه:

أولًا: التوسل بالاسم المناسب لحاجتك. إذا أردت المغفرة فقل: "يا غفور اغفر لي، يا تواب تب عليّ." وإذا أردت الرزق فقل: "يا رزاق ارزقني، يا كريم أكرمني." وإذا أردت الفرج فقل: "يا لطيف ألطف بي." فلكل حاجة اسمٌ يناسبها.

ثانيًا: الثناء على الله بأسمائه قبل الدعاء. تقول: "اللهم أنت الرحمن الرحيم، ارحمني. أنت الغفور الغفار، اغفر لي." فتجعل الاسم توطئةً لطلبك. وقد قال النبي ﷺ: "إذا دعا أحدكم فليعظّم الرغبة، فإنه لا يتعاظم على الله شيء." (مسلم 2679)

ثالثًا: العمل بمقتضى الأسماء. وهذا أشمل الأوجه. فمن عرف أن الله رحمن رحيم تشبّه بالرحمة في تعامله مع الناس. ومن عرف أن الله عدل سعى إلى العدل في حياته. ومن عرف أن الله عليم سعى إلى طلب العلم. فالتعبد بالأسماء ليس حكرًا على اللسان بل يمتد إلى السلوك.

ومن أعظم صور التعبد بالأسماء الحسنى: قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة وفي الصباح والمساء. فهي تجمع أسماءً كثيرة: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم. قال ﷺ: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت." (النسائي في الكبرى 9928، صحيح)

وخلاصة القول: اجعل الأسماء الحسنى جزءًا من يومك. صبّح بها، وامسِ بها، وادعُ بها في كل حاجة. وتذكّر أن الله يُحب أن يُدعى بأسمائه، وأن الدعاء بها مفتاح لكل خير ومدفعٌ لكل شر.

تطبيق FivePrayer رفيقك في تعلم الأسماء الحسنى. تنبيهات الصلوات الخمس على شاشة القفل ومواقيت دقيقة، لأن الصلاة أفضل ميدان تتعبد فيه بأسماء الله. مجاني تمامًا، بلا إعلانات.

أسئلة شائعة

كم عدد أسماء الله الحسنى؟

التسعة والتسعون المذكورة في الحديث خُصّت بمزية دخول الجنة لمن أحصاها، لكن أسماء الله ليست محصورة في هذا العدد، بل له أسماء استأثر بعلمها كما في دعاء النبي ﷺ (مسند أحمد 3712).

ما معنى إحصاء الأسماء الحسنى؟

الإحصاء يشمل: حفظها، وفهم معانيها، والتعبد لله بها دعاءً وذكرًا وعملًا. فمن حفظها وعمل بمقتضاها أدرك ثواب الجنة الموعود.

هل يجوز تسمية الله باسم لم يرد في القرآن أو السنة؟

لا، أسماء الله توقيفية. لا يجوز إطلاق اسم على الله إلا بنص صريح من القرآن الكريم أو الحديث الصحيح. وهذا من صميم توحيد الأسماء والصفات.

ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟

الرحمن: رحمته واسعة تشمل كل الخلق في الدنيا. الرحيم: رحمته خاصة بالمؤمنين في الآخرة. الرحمن أعم، والرحيم أخص وأثبت للمؤمنين.

ما هو الاسم الأعظم لله؟

رجّح كثير من العلماء أنه "الحي القيوم" لوروده في المواضع الثلاثة التي ذكر النبي ﷺ أن الاسم الأعظم فيها. وكان ﷺ يدعو به في الكرب: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث."

تعبّد لله في أوقاتها الخمس

FivePrayer: رفيقك في الصلوات الخمس كل يوم.

أذان تلقائي على شاشة القفل، مواقيت دقيقة حسب موقعك، وتنبيهات رقيقة لا تُزعج. مجاني تمامًا، بلا إعلانات، بلا حساب.

حمّل منApp Store
احصل عليه منGoogle Play
أيضًا فيChrome